ابو القاسم عبد الكريم القشيري
648
لطائف الإشارات
قمر السماء له نقصان ومحاق ، وفي بعض الأحايين هو بدر بوصف الكمال ، وقمر المعرفة أبدا له إشراق وليس له نقصان أو محاق ، ولذا قال قائلهم : دع الأقمار تخبو أو تنير * لها بدر تذلّ له البدور فأمّا شمس القلوب فهي التوحيد ، وشمس السماء تغرب ولكن شمس القلوب لا تغيب ولا تغرب ، وفي معناه قالوا : إن شمس النهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليست تغيب ويصحّ أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل ، وشمس القلوب سلطانها في الضوء والطلوع بالليل أتمّ . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 62 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 ) الأوقات متجانسة ، وتفضيلها بعضها على بعض على معنى أنّ الطاعة في البعض أفضل والثواب عليها أكثر . والليل خلف النهار والنهار خلف الليل ، فمن وقع له في طاعة الليل خلل فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جبرانه ، وإن حصل في طاعة النهار خلل فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمام لنقصانه . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 63 ] وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفّقوا للطاعات ، فبرحمته وصلوا إلى التوفيق للطاعة . وعباد الرحمن الذين يستحقون غدا رحمته هم القائمون برحمته ؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته . . هكذا بيان الحقيقة ، وبطاعتهم وصلوا إلى جنّته . . هكذا لسان الشريعة . ومعنى « هَوْناً » متواضعين متخاشعين